محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

76

التيسير في قواعد علم التفسير

والعلم ، ولا يتوصل إلى العمل أيضا إلا بالعلم بكيفية العمل ، فأصل السعادات في الدنيا والآخرة هو العلم ، فهو أفضل وأشرف ، فكيف لا ؟ ! وإن لذة العلم أعظم اللذات كما أن ألم الجهل أشد الآلام ، واللذة هي إدراك ونيل لوصول ما هو آفة وشرّ عند المدرك من حيث هو آفة وشرّ . والإدراك والعلم والمعرفة والشعور والتصديق والظن واليقين وما يتقارب منها في المفهوم من أحوال النفس غنية عن التعريف بحسب الحقيقة ؛ لأنها من الوجدانيّات التي هي أنفسها حاصلة عند النفس ، وحصول نفس حقيقة الشيء أقوى في التصوير من حصول صورتها ومثالها وشبحها ؛ ولذا تكون الصفات النفسانية والوجدانيات أقوى في التصوير من الأمور الخارجة عن النفس ؛ فإن تصور الصفات النفسانية هو حصول حقيقتها عند النفس ، وتصور الأمور الخارجة عن النفس حصول مثالها وشبحها في النفس . وما قيل من أن الإدراك هو تمثل حقيقة الشيء عند المدرك يشاهد بها ما به يدرك فتعريف الإدراك بحسب اللفظ ، ولهذا لم يتحاش عن ذكر المدرك فيه ، وأما النيل فهو الوجدان . وإنما احتيج في تعريف اللذة إلى ذكر النيل لأن إدراك الشيء قد يكون بحصول شبحه ومثاله ، والنيل لا يكون إلا بحصول نفسه ، واللذة لا تتم بحصول مثال اللذيذ فقط بل إنما تتم بحصول مثاله وبحصول نفسه ، ولذلك ذكرا معا في التعريف ، وقدّم الإدراك لكونه أعمّ من النيل . وإنما قيل : لوصول ما هو كمال ، ولم يقل : لما هو كمال ؛ لأن اللذة ليست إدراك اللذيذ فقط بل إدراك وصول الملذ إلى اللذيذ . والكمال هو ما يكون مناسبا للشيء ولا تقابله ، وغاية كمال الإنسان أن